1. حسن الاختيار أساس نجاح الحياة الزوجية – ٣٧٨

      قبل أن تخطب لابنك، أو قبل أن يخطب ابنك لنفسه، يجب توخي الحذر حتى لا يقع في خطأ نتيجة قرار اتُّخذ بدافع العاطفة فقط. فمثل هذه الأمور ينبغي أن يكون للعقل فيها دورٌ راجح، وأن يفكر الإنسان مليًّا قبل أن يرتبط بإنسانة أُعجب بظاهرها؛ لأن الزواج ليس ارتباطًا قصير الأمد أو مؤقتًا، بل هو شراكة تمتد طوال العمر.

      فالزوج يسند زوجته، وهي كذلك تسند زوجها، وتقف معه في السراء والضراء، وهو بدوره يحميها من تقلبات الدهر. كما ينبغي لها أن تمنحه ما تستطيع من عاطفة ووفاء، وتحسن عشرته، وهو كذلك مطالب بذلك وأكثر؛ قال تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: 19]. وهذه الآية الكريمة تأمر الأزواج بحسن معاملة الزوجات، وطيب القول، وجميل الأفعال، وأداء الحقوق من مهر ونفقة، وتجنب الإيذاء.

      وكل ذلك ينعكس إيجابًا على الأبناء من حيث النشأة والتربية السليمة، ليكونوا صالحين لأهلهم ومجتمعهم وأوطانهم. فالحياة الزوجية شراكة لا تقوم على المال أو المصالح وحدها، بل هي سنة ربانية لتحقيق السكن والمودة والتكاثر وتعمير الأرض، وبناء المجتمعات، وتوثيق الأنساب وصلة الأرحام.

      ومن المهم أن يختار الرجل زوجةً محبةً لأهله كما هي محبة لأهلها، تؤدي واجب الضيافة لضيوف زوجها دون تذمر، سواء كانوا من أهله أو أصدقائه أو معارفه، وأن تكون عونًا له لا سببًا في إحراجه أو إضعافه، وأن تدرك أهمية العلاقات الاجتماعية بين الأقارب، وألا تكون منطويةً أو منقطعةً عن محيطها الأسري. فمثل هذه الصفات تسهم في بناء سمعة أسرية طيبة، وتنعكس آثارها الإيجابية على الأبناء في المستقبل.

      كما ينبغي للرجل أن ينظر إلى أخلاق الفتاة وتربيتها وقيمها قبل النظر إلى المظاهر أو مستوى الرفاهية الذي اعتادت عليه، وأن يحرص على التوافق في المبادئ والعادات والتقاليد؛ لأن الاستقرار الأسري يقوم على التفاهم والاحترام المتبادل وتحمل المسؤولية، لا على المظاهر أو المصالح العابرة.

      فالعادات والتقاليد الأصيلة لها جذور وقيم ينبغي المحافظة عليها ما دامت لا تتعارض مع الدين أو الأخلاق، لأنها تسهم في استقرار الأسرة وترابط المجتمع.

      الطلاق بين سوء الاختيار وضعف التفاهم الزوجي 

      عندما أتصفح مقاطع الفيديو في وسائل التواصل الاجتماعي، وخاصة تطبيق "إنستغرام"، أجد كثيرًا من التعليقات والنصائح التي تصدر عن سيدات من مختلف الجنسيات العربية، ومن بينهن نساء من دول الخليج. وكثير منهن يتحدثن عن الأخطاء التي تؤدي إلى الطلاق، ويرين أن جانبًا كبيرًا منها يصدر من بعض الزوجات بسبب التسرع، وعدم التحكم في الغضب، والغيرة المفرطة، والتعجل في الحكم على الزوج واتهامه بالخيانة الزوجية.

      وقد يصل الأمر إلى طلب الطلاق، خاصة عندما يصاحب الخلاف استفزازٌ للزوج والطعن في رجولته، كقول بعضهن: «إن كنت رجلًا فطلقني». وكل ذلك قد يؤدي إلى الانفصال، دون إدراك لما يترتب عليه من آثار وعواقب على الأبناء أولًا، وعلى الزوجين نفسيهما عندما يتقدمان في العمر، وتتراجع حالتهما الصحية، أو تتأزم أوضاعهما المادية إذا لم يحالفهما الحظ بالزواج مرة أخرى.

      ومسببات الطلاق كثيرة تكاد لا تُحصى، وتختلف باختلاف الظروف. ومن بينها عدم التوفيق في حسن اختيار الزوجة المناسبة. فعلى سبيل المثال لا الحصر، قد يكون هناك تباين في المستوى الاجتماعي أو الثقافي أو الوظيفي بين الزوجين. وكلما كان الفارق كبيرًا، زادت احتمالات الخلاف. وقد يبدأ الخلاف من الجوانب المادية ثم يتطور مع مرور الزمن ليصبح أحد أسباب الطلاق.

      فقد يتزوج الرجل من امرأة عاملة، ويتفقان منذ البداية على استمرارها في عملها بعد الزواج، ويحسن الظن بها على أمل أن تساعده في تحمل تكاليف المعيشة، مقابل تنازله عن جزء من وقتها وانشغالها خارج المنزل. وقد يعوض غياب زوجته باستقدام خادمة لتدبير شؤون البيت، مما يزيد من أعبائه المالية إذا لم تشاركه الزوجة في المصروفات، خاصة إذا كان ملتزمًا بأقساط قرض الزواج، أو قرض بناء المنزل، أو الإيجار الشهري، إضافة إلى أقساط السيارة التي ربما اشتراها منذ التحاقه بالعمل.

      ثم تأتي مشكلة أخرى، وهي أن الزوجة قد تنشغل بعملها بصورة متزايدة، فكلما ازدادت مسؤولياتها الوظيفية ازداد انشغالها عن شؤون منزلها، وأصبح الاعتماد على الخادمة أكبر. وهنا قد يشعر الزوج بأن دور الزوجة في المنزل قد تراجع، فالخادمة هي التي تتولى التنظيف والطبخ والغسيل ورعاية الأطفال.

      وقد تدير الزوجة شؤون المنزل عن بُعد عبر الهاتف أثناء وجودها في العمل، فتسأل عن عودة الأطفال من المدرسة، وما إذا كانوا قد تناولوا الغداء، وهل أُنجزت أعمال التنظيف المطلوبة، وغير ذلك من الأمور التي تعتقد أن الخادمة قادرة على القيام بها. وعندما تعود إلى المنزل وتجد الزوج في انتظارها بالمجلس، تبدأ في استجواب الخادمة ورفع صوتها عليها بشأن ما نفذته أو لم تنفذه من أوامر، وكأنها تريد إبراز أهميتها أمام الزوج، ثم تنصرف إلى غرفتها للراحة أو النوم، تاركة الزوج في انتظارها.

      ومن مسببات الطلاق أيضًا تدخل الأهل في شؤون الأزواج، معتقدين أنهم بذلك يسدون لهم النصح والإرشاد، ولكن يتضح فيما بعد غير ذلك، خاصة من طرف والدة الزوجة التي تفاجئهم بين حين وآخر بحجة زيارة ابنتها، فتقوم بتفتيش المطبخ والثلاجة للتأكد من وجود ما يكفي من الطعام، كما تسأل ابنتها عن موعد قدوم زوجها من العمل، وخروجه من البيت، وأسباب تأخر عودته.

      وفي أحيان كثيرة تؤنب زوج ابنتها إذا غفل عن توفير بعض احتياجات البيت، وقد تقوم بتحريض ابنتها على مراقبته خشية تلاعبه أو تقصيره، مما يؤدي إلى شعور الزوج بعدم الاطمئنان في بيته، وأنه لا يملك مساحة من الخصوصية مع زوجته. كما قد يجعل ذلك الزوجة تعتقد أن عدم رضا أمها عن زوجها مبرر وذريعة لتصيد أخطائه، متناسيةً ما قد يكون منها من تقصير في حقه.

      كما قد تقل الزيارات العائلية وصلة الرحم بين الزوج وأهله بسبب انشغال الزوجة وعدم اهتمامها بالعلاقات الأسرية. فتكون دائمة الإرهاق والانشغال الذهني، وكل ما تفعله عند عودتها إلى المنزل هو إلقاء حقيبتها والدخول إلى غرفتها للنوم، لأنها مرهقة فكريًا. وقد لا تتناول الطعام الذي أعدته الخادمة، وتفضل طلب الطعام من المطعم، بينما يبقى الزوج حائرًا بين متطلبات الحياة ومسؤوليات الأسرة.

      بعض الزوجات -وللأسف الشديد- خاصة الشابات المقيمات في المدن، بخلاف بنات الريف، لا يتمالكن أعصابهن عندما يشتد الشجار أو يحتدم الجدال بينهن وبين أزواجهن؛ فتقوم إحداهن بضرب زوجها أو قذفه بأي شيء صلب يقع أمامها. وقد يصل الأمر إلى أن تغلق الباب في وجهه إذا تأخر في العودة إلى المنزل، فيضطر إلى المبيت خارجه عقابًا له على تأخره. ولا يملك الزوج حينئذٍ خيارًا إلا النوم داخل سيارته، تجنبًا لفضح أمر زوجته أمام أهله.

      ومن الأزواج من يكون أكثر دهاءً؛ فإذا كانت له علاقات نسائية خارج إطار الزواج، فإنه قد يستغل هذا الموقف للمبيت عند عشيقته، بينما لا تدرك الزوجة أنها قد منحته فرصة لهجرانها. فيجد الزوج بذلك فرصة لتعويض ما يراه من هجران زوجته له في الفراش، ويستمر في الابتعاد عنها حتى تطلب الطلاق أو الخلع بنفسها، تجنبًا لتحمل تبعات الانفصال.

      ومن أغرب تصرفات بعض الزوجات أن تغلق الثلاجة بالمفتاح في وجه زوجها حتى لا يجد ما يأكله إذا تأخر عن توفير التموين الشهري للمنزل. وهذا التصرف يعكس ضعف التربية لدى بعض الزوجات اللاتي نشأن في بيئات غير مناسبة، ولم يدرك الزوج حقيقة ذلك قبل الزواج.

      وعلى كل حال، قد لا تدرك الزوجة أن مثل هذه التصرفات قد تنهي علاقتها بزوجها؛ إذ قد يفصل بينهما لفظ واحد يخرج من فم الزوج، وهو قوله: «أنتِ طالق».

       

      وفي نهاية المطاف يكون الأبناء هم الضحية، فحتى إن سعت الزوجة إلى تشويه سمعة والدهم أمامهم انتقامًا منه، فإنه يظل والدهم، وقد يكتشفون الحقيقة كاملة عندما يكبرون وتزداد قدرتهم على فهم الأمور وتمييزها.

      وقد يتساءل المرء: أين يذهب راتب الزوجة إذا كانت لا تعين زوجها في مصروفات البيت؟ والجواب على ذلك أن بعض الزوجات قد يقدمن الكماليات على الضروريات.

      فعلى سبيل المثال، قد تُلحق أبناءها بمدارس خاصة، مخالفةً رأي الزوج، اعتقادًا منها بأن جودة التعليم فيها أفضل. كما قد ترى أن ذلك يقلل من الحاجة إلى متابعة دروس الأبناء في المنزل، في حين يرى الزوج أن التعليم في المدارس الحكومية لا يقل جودة عن التعليم في المدارس الخاصة، وأن إشراف الوالدين على دراسة أبنائهم ومتابعة تحصيلهم العلمي مسؤولية لا ينبغي التفريط فيها. وفي نهاية المطاف قد يستسلم الزوج لهذا الأمر، لأنه ليس من سيتحمل تلك التكاليف.

      ومن الأمور الأخرى أن بعض الزوجات قد يقتنين لأبنائهن أجهزة إلكترونية وهواتف باهظة الثمن، أسوةً بما يرينه لدى زملائهم أو أقاربهم ممن هم أكثر يسرًا. كما قد يكثرن من طلب الوجبات من المطاعم استجابةً لرغبات الأبناء الذين يفضلون الأطعمة السريعة، رغم أن هذه الأطعمة قد لا تكون صحية، خاصة في وجبات العشاء.

      وهناك أيضًا جوانب ترفيهية ومصروفات أخرى قد لا تُعد من الضروريات. ويُضاف إلى ذلك سداد أقساط سيارتها الفارهة. أما إذا كانت الزوجة من النساء اللاتي يحرصن على تأمين مستقبلهن ومستقبل أسرهن، فقد تشارك زوجها في تملك المنزل والمساهمة في سداد أقساطه، وهو ما يخفف من الأعباء المالية الواقعة على الأسرة ويعزز الاستقرار الأسري.

      وهكذا تترك الزوجة كثيرًا من شؤون المنزل في يد الخادمة. وعندما يعود الزوج من عمله لا يجد ذلك الدفء الأسري الذي يتطلع إليه، لأن زوجته تعمل مثله، وتعود مرهقة كما يعود هو مرهقًا.

      فيتناول طعامه على المائدة بمفرده، أو مع أبنائه الذين لا يعجبهم في كثير من الأحيان طعام المنزل.

      ومن الأخطاء الأخرى أن بعض الزوجات، كلما فتح الزوج معهن موضوعًا للنقاش، قابلنه بالجدال والعناد، ومحاولة فرض الرأي، والتقليل من مكانة الزوج ودوره القيادي في الأسرة. وقد يكون ذلك نابعًا من شعور بعضهن بالاستقلال المالي وعدم الاحتياج المادي إلى الزوج، الأمر الذي قد ينعكس سلبًا على طبيعة العلاقة الزوجية إذا غاب التفاهم والاحترام المتبادل بين الطرفين.

       

      وفي النهاية، فإن نجاح الحياة الزوجية لا يعتمد على المال أو الوظيفة أو المكانة الاجتماعية فحسب، بل يقوم على حسن الاختيار، والتفاهم، والاحترام المتبادل، وتحمل المسؤولية، والتعاون بين الزوجين في مواجهة أعباء الحياة، فهذه هي الأسس التي تحفظ الأسرة من التفكك وتمنحها الاستقرار والاستمرار.

      ٩ يونيو ٢٠٢٦

      1. عبد الله السناوي - شارك